ابن الجوزي
29
صفة الصفوة
قال : فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه . فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس ؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية فقال : إنا لا ندري ما أويس ؟ ولكن ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكرا وأقل مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك ، وإنه ليرعى إبلنا ، حقير بين أظهرنا . فعمّى عليه عمر كأنه لا يريده وقال : ابن أخيك هذا أبحرمنا هو ! قال نعم . قال : أين يصاب ؟ قال : أراك عرفات . قال : فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى . فشدا خماريهما ثم أقبلا إليه فقالا : السلام عليك ورحمة اللّه فخفّف أويس الصلاة ثم قال : السلام عليكما ورحمة اللّه . قالا : من الرجل ؟ قال : راعي إبل وأجير قوم . قالا : لسنا نسألك عن الرعاية ولا عن الإجارة ما اسمك ؟ قال : عبد اللّه . قالا : قد علمنا أن أهل السماوات والأرض كلهم عبيد اللّه ما اسمك الذي سمّتك أمّك ؟ قال : يا هذان ما تريدان إليّ ؟ قالا : وصف لنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم أويسا القرني فقد عرفنا الصهوبة والشهولة وأخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء فأوضحها لنا ، فإن كانت بك فأنت هو . فأوضح منكبه فإذا اللمعة فابتدراه يقبّلانه وقالا : نشهد أنك أويس القرني . فاستغفر لنا يغفر اللّه لك . قال : ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ولكنه في البر والبحر من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات . يا هذان قد شهر اللّه لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما ؟ قال علي عليه السلام : أما هذا فعمر أمير المؤمنين ، وأما أنا فعليّ بن أبي طالب فاستوى أويس قائما وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، وأنت يا عليّ بن أبي طالب ، فجزاكما اللّه عن هذه الأمة خيرا . قالا : وأنت فجزاك اللّه عن نفسك خيرا . فقال له عمر : مكانك يرحمك اللّه حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي ، هذا المكان ميعاد بيني وبينك . قال ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم ، فعرّفني ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة ؟ أما ترى عليّ إزارا من صوف ورداء من صوف ؟ متى تراني أخرقهما ؟ أما ترى أن نعليّ مخصوفتان ؟ متى تراني أبليهما ؟ إني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا ضامر مخفّ مهزول فأخفف رحمك اللّه .